قضية-اعتقال-الأمير

قضية اعتقال الأمير

ظلت الساحة خاليةً بعد عزل الأمير بن نايف من ولاية العهد، فأنشأ ولي العهد الجديد ما يعرف بـ (لجنة مكافحة الفساد) تحت رئاسته المباشرة، لتكون غطاءً له في عملية القيام بتأديب الأمراء وإخضاعهم لسلطته، فقد كان عمل تلك اللجنة هو اعتقال الأمراء السعوديين البارزين ممن قد يشكلون خطرًا على عرشه في المستقبل.

في ذلك الوقت كان الأمير بن نايف رهن الإقامة الجبرية، فبعد انتهاء اجتماع هيئة البيعة مباشرةً، تم عرض مقطع مُسجل يَظهر فيه محمد بن سلمان مقبلًا يد الأمير محمد بن نايف قائلًا: (لن نستغني عن تعليماتك ونصائحك)، ويجيب الأمير محمد بن نايف في غضب ظاهرٍ على وجهه: (حظًا سعيدًا إن شاء الله)، ثم سُمح للأمير بن نايف بالذهاب لقصره في جدة ومُنع من الخروج منه لئلا يشكل تهديدًا على عرش بن سلمان.

وقد أُخفي خبر حجز الأمير في قصره حتى قامت جريدة “NEWYORK TIMES” الأمريكية بنشر ما يوضح أن محمد بن نايف محتجزٌ هناك، مما جعل بعض المسئولين الكبار ومساعدي العائلة الملكية يقومون بنشر مواضيع عديدة عن الطريقة التي قام بها الأمير الصغير بالضغط على الأمير الكبير بن نايف، ولكن كان شرط التحدث والنشر في هذا الموضوع هو السرية التامة، أي إخفاء هويات الناشرين والكاتبين حتى لا يتم تعريض حياتهم للخطر أو التسبب في مشاكل لهم داخل المملكة العربية السعودية.

كان كل ما كان يشغل السلطة الحاكمة آنذاك هو تلميع صورة ولي العهد الجديد وإجبار السعوديين على نسيان أي منافسٍ حاليٍ يهدد بقاءه في هذا المنصب، فلم يظهر الأمير بن نايف بعدها على الشاشات مطلقًا وتم تنحيته وتجريده من جميع مناصبه ومراكزه التي كان مسئولًا عنها في السابق، ولم يَرَ أحد الأمير بن نايف إلا في جنازة والدته الأميرة الجوهرة بنت عبد العزيز بن مساعد في مايو / أيار عام 2019.

تعمد الإعلام السعودي آنذاك تجاهل وجود الأمير بن نايف واكتفوا بذكر اسم أخيه الأمير سعود بن نايف لئلا يضيع تعبهم في إبراز صورة ولي العهد الجديد ويصبح هباءً منثورًا.

لكن الأمراء البارزين ومشايخ القبائل الكبار كان لهم رأيٌ آخر، فقد تسابقوا في تعزية الأمير محمد بن نايف واحدًا تلو الآخر .. حينها أدركت السلطات في المملكة احتفاظ الأمير بشعبيته رغم كل ما فُعل من أجل ضربه وضرب تاريخه، فقرروا أنه لابد من التفكير في طريقةٍ أخرى لإزاحة بن نايف من الطريق نهائيًا.

بطل المملكة .. مطلوبٌ في قضية فساد

على ما يبدو أن صراع العروش قد احتدم في العصر المظلم الذي قد بدأ للتو في المملكة العربية السعودية، إذ قامت المحكمة في المملكة بتوجيه اتهامات بالفساد وعدم الولاء لسمو الأمير محمد بن نايف، والذي كان في يوم من الأيام بطل المملكة العربية السعودية في الحرب ضد الإرهاب.

تكمن جذور هذه المعركة في التنافس الشديد الذي قام بين أنصار الملك الراحل عبدالله بن عبد العزيز وعلى رأسهم رئيس الديوان الملكي الأسبق خالد التويجري وبين رجال حاشية الملك الحالي سلمان بن عبد العزيز وولي عهده الأمير محمد بن سلمان، وقد كان ذلك عندما تولى الملك الجديد السلطة بعد وفاة عبد الله في شهر يناير/كانون الثاني من عام 2015.

كما أنه بات واضحا أن لجنة مكافحة الفساد (التابعة للمراهق محمد بن سلمان) تقترب من الانتهاء من تحقيق مفصل يدين محمد بن نايف.

المشهد العبثي استمر حيث أن المحققين السعوديين طلبوا من سمو الأمير سداد 15 مليار دولار يزعمون أنه قد اختلسهم أثناء عمله كمساعدٍ لوزير الداخلية السعودية ورئيسًا لمجلس الشئون الأمنية، ولكنهم لم يحددوا كيف ومتى وأين وصلوا إلى هذا الرقم.

كما أن صحيفة “واشنطن بوست” قامت بنشر مقال بعنوان “the dazzling rise tragic fall of Saudi Arabia’s Mohamed bin Nayef” والذي نص على رد أنصار محمد بن نايف على الاتهامات الموجه له بأنها كاذبة وتتناقض مع المرسوم الملكي الذي تم إصداره في عام 2007 والذي أصدره الملك عبدا لله حيث تمت الموافقة على جميع أنشطته المالية.

وقد نص المرسوم السري الذي صدر في 27 ديسمبر من عام 2007، والذي كان يحمل توقيع الملك عبد الله على أن مساعد وزير الداخلية (محمد بن نايف) سوف يتولى إدارة الصندوق السري وجميع نفقاته بالطريقة التي تدعم جهود مكافحة المملكة للإرهاب الذي بات يشكل خطرًا على أمنها القومي.

بالإضافة إلى أن المرسوم منح محمد بن نايف الإذن بأن ينشئ الوسائل التي تتمكن من إخفاء الأنشطة الحساسة داخل القطاع الخاص .. كما نص المرسوم على أن محمد بن نايف سوف يصرح عن نفقات الصندوق السري للملك رأسًا في نهاية كل عام.

وبالفعل .. فقد قام محمد بن نايف في عام 2013 بتقديم تقريرٍ عن النفقات السرية التي أنفقت على مكافحة الإرهاب في هذه السنة، كما أنه في  العشرين من شهر مايو للعام ٢٠١٣، طلبت الوثيقة الموافقة على إنفاق 1.3 مليار دولار أي ما يعادل 5 مليارات ريال سعودي على ٨ مشروعات، فتم تخصيص مبلغ قيمته 1.6 مليار ريال سعودي لخدمات النقل، ومبلغ 378 مليون ريال للمطارات السرية،  و1.5 مليار ريال للموارد الأمنية مثل الأسلحة، كما كشفت الإذاعة البريطانية  “BBC” في شهر فبراير من عام ٢٠١٣ عن مشروع قاعدة طائرات دون طيار في المملكة بدعمٍ من الولايات المتحدة الأمريكية.

وقد قام رئيس الديوان الملكي “خالد التويجري”، الرجل الأكثر نفوذًا في عهد الملك عبدالله، بالرد على تقرير محمد بن نايف بالموافقة على منح خمس مليارات ريال سعودي بعد ثلاثة أيام من تاريخ إرساله، هذا إلى جانب وثيقةٍ مكتوبةٍ بخط اليد باللغة العربية قالت نصًا: “لا مانع”، وقد كان يظهر أدناها (توقيع الملك الراحل عبدالله).

وقد صرح المسؤولون السابقون في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية “CIA” أنهم كانوا يعلمون بسيطرة محمد بن نايف على الحسابات السرية الخاصة بمكافحة الإرهاب في ذلك الوقت، كما أنهم قاموا باستخدامها في تمويل المشاريع الأمريكية السعودية المشتركة.

وقد كان محمد بن نايف أحد المفضلين لدى الملك الراحل عبد الله، لذلك رأى أنه يجب أن يستثمر في النشاطات التي يقودها، كما قال جون برينان (وهو المدير السابق لـ “CIA”): “على مدار تفاعلي مع محمد بن نايف، لم يكن شخصًا اعتقدتُ تورطه في نشاط فاسد أو أنه كان يسرق المال”.. ردًا على ادعاءات حلفاء محمد بن سلمان على محمد بن نايف أنه سرق أموالًا من الحسابات الاستخبارية، وإذا كان هذا يشير لشيء فإنه يشير إلى أن ولي العهد الحالي يحاول الإيقاع بأحد الأمراء المنافسين له على عرش المملكة، وقد استخدم ضده ورقة الفساد كما يفعل كل مستبدٍ يود التخلص من خصومه، فهو يعلم تأثير كلمة فاسدٍ في الرأي العام السعودي، ويعلم أثرها وصداها في تغيير نظرة الشارع السعودي تجاه بطل المملكة في محاربة الإرهاب.

كما أن جورج تينيت والذي كان مدير “CIA” تحدث بشكلٍ جيدٍ عن محمد بن نايف عندما تولى مكافحة الإرهاب في وزارة الداخلية عام 2003، وكان ذلك في مذكراته والتي كانت بعنوان “في مركز العاصفة: سنواتي في CIA”، والتي تم نشرها في عام 2007، فقد كتب عنه: “لقد كان شخصًا طورنا فيه قدرًا كبيرًا من الثقة والاحترام، إذ أنّ العديد من النجاحات في تفتيت تنظيم القاعدة في المملكة هي نتيجة جهوده وشجاعته”.

محاولات يائسة للنيل من السمعة

تهمة الخيانة العظمى والفساد.. تلك التهم كافيةٌ للقضاء على سمعتك وإن فعلت في حياتك ما لم يفعله أحدٌ غيرك، وهي نفس التهم التي تم توجيهها للأمير محمد بن نايف والأمير أحمد عبد العزيز آل سعود، وقد صرحت صحيفة “WALL STREET JOURNAL” أن حراسًا ملكيين يرتدون ملابس وأقنعةً سوداء ألقوا القبض عليهما من منازلهم في وقتٍ مبكر يوم الجمعة في مطلع العام 2020.

وفي أول اعتراف رسمي أقرت المملكة باحتجاز محمد بن نايف، وأعلنت المديرية العامة للسجون في المملكة بإصابة ولي العهد السابق “محمد بن نايف” بنوبة قلبية وتم نقله إلى العناية المركزة، وقد كان ذلك في تغريدة على الحساب الرسمي للمديرية العامة للسجون قبل أن يتم حذفها.

والجدير بالذكر هو أن التصريح التي أصدرته المديرية العامة للسجون يعتبر أول اعتراف رسمي باحتجاز محمد بن نايف منذ أن جاءت أنباء عن الحملة التي أطلقتها السلطات مؤخرًا بالانتقام من قائمة منافسي بن سلمان على عرش المملكة، والتي تضمنت عددًا كبيرًا من كبراء أمراء العائلة المالكة، وخاصةً الأميرين البارزين محمد بن نايف وأحمد بن عبد العزيز، إذ أن اعتقال الأميرين جاءت لتهيئ الطريق لمحمد بن سلمان حتى يتولى العرش، أي أنها خطط بديلة للسيطرة على المملكة.

محاولات قتل الأمير

الأخطر من هذا كله أن الأمير محمد بن نايف يتعرض لمحاولة اغتيالٍ بطيء إثر اعتقاله هو وعمه الأمير أحمد بن عبد العزيز آل سعود أحد أعضاء هيئة البيعة الذين رفضوا تولية محمد بن سلمان كولي للعهد.

كما أن سمو الأمير محمد بن نايف يتعرض للإهمال الطبي داخل محبسه، فقد وضع الأمير رهن الإقامة الجبرية منذ تنحيته عن ولاية العهد في الحادي والعشرين من يونيو / حزيران من العام 2017، ثم ألقي القبض شهر مارس / آذار من العام 2020 ولم تعلن المملكة عن خبر اعتقاله إلا بعد ضغطٍ دولي وصحفي شديدٍ اضطرت بعده لإظهار حقيقة اعتقال الأمير. وعلى مدى خمس سنوات بدءً من 2015 حتى 2020 حاول محمد بن سلمان الوصول إلى السلطة بالعديد من الطرق الغير شرعية حيث قام بنفي واعتقال العديد من الشخصيات، أو قتلهم وتصفيتهم إذا ما اضطره الأمر، وبعد سنوات من الصراع أصبح المكان جاهزًا لتولي محمد بن سلمان العرش، الأمر الذي عزز سيطرته وهز أُسس آل سعود عن طريق القضاء على المنتقدين والمنافسين بما في ذلك أفراد ومنافسي الأسرة المالكة، ليصبح بذلك الطريق ممهدًا لتولية الأمير الشاب المراهق -مدمن ألعاب الفيديو- زمام الحكم في المملكة التي كانت ولا زالت متربعةً على عرش السلطة الدينية والروحية في قلوب كافة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها.

Tags: No tags

Comments are closed.